تواجه الولايات المتحدة موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية مع القفزة الحادة في أسعار الديزل، التي بدأت تتسرب آثارها إلى مختلف مفاصل الاقتصاد، من قطاع النقل والزراعة والصناعة إلى المستهلكين، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والمالية على إدارة الرئيس دونالد ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وبلغ سعر الديزل في محطات الوقود نحو 5.47 دولارات للغالون، مقترباً من مستواه القياسي البالغ 5.82 دولارات، بعدما ارتفع بنحو 8% خلال شهر واحد. كما سجلت هوامش التكرير مستويات قياسية، في مؤشر على اشتداد أزمة الإمدادات وتفاقم صدمة العرض.
ولا تتوقف تداعيات الارتفاع عند محطات الوقود، إذ يواجه سائقو الشاحنات والمزارعون والشركات التي تعتمد على الديزل ارتفاعاً مباشراً في تكاليف التشغيل والنقل والإنتاج، ما يهدد بإعادة إشعال التضخم وزيادة الضغوط على الأسر الأميركية التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
صدمة طاقة تتجاوز قطاع الوقود
وتأتي هذه القفزة السعرية في ظل اضطرابات متزامنة تضرب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، مع تداعيات الحرب الأميركية على إيران وتقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتوازي مع تراجع إمدادات المنتجات النفطية الروسية بسبب الهجمات على المصافي والعقوبات واضطراب الصادرات.
وفي محاولة لسد الفجوة، تعمل المصافي الأميركية بمعدلات مرتفعة، إلا أن المحللين يحذرون من محدودية قدرة القطاع على مواصلة هذا الأداء في ظل تراجع المخزونات وارتفاع الطلب.
ويقول محللون إن توقف قدرات تكريرية كبيرة في الشرق الأوسط وروسيا، إلى جانب انخفاض صادرات الصين، جعل الولايات المتحدة أمام دور متزايد باعتبارها مورداً رئيسياً للسوق العالمية، ما يضع طاقتها التكريرية أمام اختبار صعب.
ومع اقتراب إنتاج الديزل من ذروته، تبدو السوق الأميركية أكثر حساسية لأي اضطراب جديد؛ سواء بسبب أعمال الصيانة أو الأعاصير أو تداعيات الحرب، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
الشاحنات والمزارعون في قلب العاصفة
الديزل ليس مجرد وقود في الاقتصاد الأميركي، بل يمثل شرياناً أساسياً للنقل والزراعة والصناعة. ولذلك فإن ارتفاع أسعاره ينعكس سريعاً على تكلفة نقل البضائع وتشغيل المعدات الزراعية والأسعار النهائية للسلع.
وتزداد المخاطر مع اقتراب موسم شراء وقود التدفئة، واستعداد المتاجر لتأمين مخزونها لموسم العطلات، بالتزامن مع دخول المزارعين مرحلة الحصاد، وهي جميعها قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على الوقود.
وحذّر رئيس الرابطة الوطنية للمزارعين السود، جون بويد، من أن الارتفاع الحاد في أسعار الديزل يدفع المزارعين نحو حافة الخطر، في ظل تكاليف تشغيل مرتفعة أصلاً تشمل الوقود والأسمدة والمعدات.
وفي سوق الطاقة، وصل الديزل إلى علاوة سعرية تقارب 100 دولار للبرميل فوق الخام الأميركي، فيما تضاعفت هوامش التكرير بأكثر من مرتين منذ بدء التصعيد الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، قبل أن تسجل قفزة جديدة مع تعثر المفاوضات.
الأسعار تضع البيت الأبيض أمام اختبار سياسي
وتأتي أزمة الديزل في توقيت بالغ الحساسية سياسياً، إذ يمكن لارتفاع تكاليف الوقود والنقل أن يتحول سريعاً إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، بما يزيد الضغط على الأسر الأميركية ويضع الإدارة أمام تحدٍ اقتصادي يصعب احتواؤه.
وتتزامن هذه التطورات مع تزايد حالة الاستياء لدى الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في وقت تشير استطلاعات رأي إلى شعور شريحة واسعة من الأميركيين بتراجع أوضاعهم الاقتصادية خلال فترة حكم ترامب.
وحاول البيت الأبيض احتواء الضغوط عبر إجراءات تتعلق بالإمدادات النفطية والاحتياطيات الاستراتيجية وتخفيف بعض القيود على شحنات الخام، إلا أن استمرار اضطراب الأسواق قد يدفع الإدارة إلى خيارات أكثر صرامة، بينها تقييد صادرات الوقود، رغم نفي مسؤول في البيت الأبيض وجود مثل هذا الخيار في الوقت الراهن.
وبينما تراهن واشنطن على زيادة الإمدادات ورفع معدلات التكرير لتخفيف الأزمة، يبقى السؤال الأصعب: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الأميركي تحمل موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة قبل أن تتحول أزمة الديزل إلى أزمة تضخم أوسع تضرب الشركات والمستهلكين معاً؟