تنسيق “سعودي–إسرائيلي” برعاية أمريكية لمواجهة صنعاء.. ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟
تقرير – عبدالكريم مطهر مفضل
كشفت تقارير عبرية عن اتصالات عسكرية متقدمة بين السعودية والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي لبحث سبل مواجهة قوات صنعاء، بالتزامن مع تصاعد التوتر على الساحة اليمنية واقتراب المواجهات من خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وقال الصحفي العبري “باراك رافيد” مراسل قناة “سي إن إن” في فلسطين المحتلة، في تقرير نشره موقع «أكسيوس»، إن قادة عسكريين من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي وثماني دول عربية عقدوا اجتماعًا مغلقًا في ألمانيا الأسبوع الماضي، خُصص لبحث الحرب مع إيران والتوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، بما فيها التطورات المرتبطة باليمن.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM انعقاد الاجتماع، موضحة أن قادة عسكريين من ثماني دول شاركوا في مؤتمر مقرر في ألمانيا، وأن النقاش تناول فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط.
السعودية على طاولة التنسيق
الأهم في الاجتماع، وفق ما أورده “رافيد”، أن رئيس أركان الجيش السعودي كان ضمن القادة العسكريين العرب المشاركين، إلى جانب نظرائه في الإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، فضلًا عن رئيس الأركان الإسرائيلي “إيال زامير” وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر.
وبحسب مصدر مطلع نقل عنه “رافيد”، فإن الاجتماع تزامن مع تصعيد قوات صنعاء هجماتها ضد السعودية، فيما كانت الرياض تبحث، بمساعدة القيادة المركزية الأمريكية، كيفية الاستفادة من قدرات الاحتلال الإسرائيلي الاستخباراتي والعسكري لدعم عملياتها العسكرية ضد قوات صنعاء.
وتحديدًا، تحدث المصدر عن بحث إمكانية تقديم كيان الاحتلال الإسرائيلي للسعودية دعمًا في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدفاع الجوي، على غرار الدعم الذي تقول المصادر العبرية إنها قدمته للإمارات.
وهذه النقطة تمنح الاجتماع بعدًا يتجاوز التنسيق السياسي؛ إذ تشير رواية الاحتلال الإسرائيلي إلى بحث ترتيبات عملية يمكن أن تعزز قدرة السعودية على جمع المعلومات ومراقبة التحركات وتحديد مصادر التهديد القادمة من اليمن.
من الدفاع الجوي إلى اليمن
لم يبدأ التعاون العسكري غير المعلن بين الاحتلال الإسرائيلي وعدد من الدول العربية مع التطورات الحالية.
فمنذ انتقال الاحتلال الإسرائيلي إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية عام 2021، توسعت فرص التعاون العسكري بينها وبين دول عربية ضمن منظومة CENTCOM، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات. كما سبق أن عُقدت اجتماعات عسكرية أمريكية–إسرائيلية–عربية لمناقشة التهديدات الإقليمية للمشروع الأمريكي “الإسرائيلي” في المنطقة والمعروف بـ”الشرق الأوسط الجديد”.
لكن التطور الجديد، وفق التقرير العبري، هو انتقال النقاش إلى كيفية دعم السعودية في المواجهة مع قوات صنعاء، في وقت تواجه فيه الرياض تصعيدًا عسكريًا على حدودها الجنوبية وفي محيط البحر الأحمر.
لماذا تحتاج الرياض إلى هذا التنسيق؟
تكشف تقارير أمريكية و”إسرائيلية” متزامنة أن السعودية تواجه وضعًا عسكريًا متأزماً في اليمن، بينما تحاول واشنطن تجنب الانخراط المباشر في مواجهة جديدة ضد قوات صنعاء بعد هزيمتها في معركة البحر الأحمر.
وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد طلب، وفق تقرير سابق لـ«أكسيوس»، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربات جوية وصاروخية ضد قوات صنعاء، لكن الإدارة الأمريكية رفضت في ذلك الوقت التدخل العسكري المباشر.
وفي تطور لاحق، عقد مسؤولون أمريكيون لقاءات مع ممثلين عن صنعاء في مسقط لبحث التوتر في البحر الأحمر والحفاظ على وقف إطلاق النار وضمان استمرار الملاحة في باب المندب، في مؤشر على حساسية الموقف الأمريكي تجاه فتح جبهة يمنية جديدة.
وبذلك تبدو الرياض أمام معادلة معقدة: حاجة إلى دعم استخباراتي وعسكري أكبر، مقابل تردد أمريكي في الانخراط المباشر في الحرب ضد اليمني، خشية منع سفنها الحربية من الإبحار في البحر الأحمر وباب المندب.
الاحتلال الإسرائيلي يبحث عن دور في الجبهة اليمنية
بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي، فإن اليمن لا يمثل جبهة منفصلة عن الصراع الإقليمي.
فقوات صنعاء سبق أن نفذت هجمات باتجاه الأراضي المحتلة استهدف مواقع الاحتلال الإسرائيلي الاستراتيجية وفرض حصار بحري خانق على ميناء أم الرشراش “إيلات”، بينما يمثل البحر الأحمر وباب المندب ممرًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة.
ولهذا فإن أي تعاون استخباراتي “إسرائيلي” مع السعودية في اليمن يمكن أن يخدم هدفين متداخلين: دعم الرياض في مواجهة قوات صنعاء، ومراقبة جبهة يعتبرها الاحتلال الإسرائيلي جزءًا من منظومة التهديدات الإقليمية المرتبطة بمحور القدس.
ويشير تقرير «أكسيوس» إلى أن الاجتماع الألماني جاء في توقيت تصاعدت فيه التوترات بين قوات صنعاء والسعودية وما حققته من انتصارات ساحقة مكنتها من السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب، بالتزامن مع الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران.
السؤال الأخطر: هل يتحول التنسيق إلى مشاركة؟
حتى الآن، ما تم الكشف عنه هو حديث عن بحث آليات للدعم الإسرائيلي الاستخباراتي والمراقبة والاستطلاع، بينما لم تُعلن الدول المشاركة عن اتفاق عسكري جديد بشأن اليمن.
لكن أهمية التطور تكمن في أن السعودية و”إسرائيل” ناقشتا، بحسب المصدر الذي استند إليه “رافيد” وموقع “أكسيوس”، التعاون في مواجهة قوات صنعاء من خلال قناة أمريكية عسكرية.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد، وفق الرواية المنشورة، مجرد اتصالات سياسية بين الرياض والاحتلال اٌسرائيلي، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش أوسع داخل المنظومة العسكرية التي تقودها القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة.
من ألمانيا إلى باب المندب
الاجتماع السري في ألمانيا، إذن، لا يبدو منفصلًا عن التطورات الميدانية في اليمن.
ففي الوقت الذي تبحث فيه الرياض عن وسائل لتعزيز قدرتها على مواجهة قوات صنعاء، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على أمن الملاحة من دون الانجرار إلى حرب مباشرة، بينما يرى الاحتلال الإسرائيلي في الجبهة اليمنية امتدادًا للصراع الإقليمي الأوسع مع دول محور القدس.
وبين هذه الحسابات الثلاثة، تبرز السعودية باعتبارها الطرف الأكثر تأزماً بالتطورات اليمنية، خصوصًا مع انتقال النقاش من كيفية مواجهة التهديد إلى كيفية بناء شبكة إسناد استخباراتي وعسكري إقليمي لمواجهته.
ويبقى السؤال الذي ستكشفه التطورات المقبلة: هل يتحول التنسيق السعودي–الأمريكي–الإسرائيلي من تبادل المعلومات والخطط إلى مشاركة عملياتية مباشرة في اليمن؟