أعلنت الولايات المتحدة الأميركية، اليوم الجمعة، فرض عقوبات واسعة على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تستهدف تقييد تعاملاتها المالية وتقليص مواردها والضغط على قدرتها على مواصلة عملها، وسط رفض من المحكمة والاتحاد الأوروبي، اللذين حذرا من تداعيات الإجراءات الأميركية على استقلال القضاء الدولي وسيادة القانون.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب اتخذت قرار العقوبات بعد ما وصفه بإخفاق المحكمة والدول الأطراف فيها في معالجة المخاوف الأميركية، مؤكداً أن واشنطن لا تعترف باختصاص المحكمة القضائي على مواطنيها أو أفراد قواتها المسلحة وقادتها السياسيين، كما أنها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة.
وشدد روبيو على أن ترامب لن يسمح بملاحقة مواطنين أميركيين أمام المحكمة الجنائية الدولية، موضحاً أن واشنطن انتظرت أكثر من عام قبل اتخاذ هذه الخطوة، على أمل التوصل إلى تفاهمات تعالج اعتراضاتها، لكنها لم ترصد، بحسب قوله، خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.
وأشار الوزير الأميركي إلى أن العقوبات صُممت بصورة تسمح بالتراجع عنها في حال التوصل إلى حل دبلوماسي، داعياً الدول الأطراف في المحكمة، خصوصاً الحلفاء الأوروبيين والغربيين، إلى التحرك لمعالجة المخاوف الأميركية، ومحذراً من استمرار الإجراءات ضد المحكمة ما لم يتحقق تقدم في هذا المسار.
المحكمة الجنائية الدولية: العقوبات محاولة لعرقلة العدالة
في المقابل، رفضت المحكمة الجنائية الدولية الإجراءات الأميركية، معتبرة أنها تستهدف عرقلة العدالة وتقويض سيادة القانون واستقلال مؤسسة قضائية دولية.
وأكدت المحكمة أنها ماضية في أداء مهامها القضائية والتحقيق في الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها وملاحقة المسؤولين عنها، داعية الدول الأعضاء إلى الوقوف إلى جانبها وضمان استمرار عملها بعيداً عن الضغوط السياسية.
من جهتها، قالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهات شميم خان، في تصريح لوكالة «رويترز»، إن العقوبات تستهدف تقويض سيادة القانون على المستوى الدولي وعمل مؤسسة قضائية مستقلة، مؤكدة استمرار التحقيقات والملاحقات القضائية رغم الإجراءات الأميركية.
وتعيد هذه المواجهة تسليط الضوء على الخلاف بين واشنطن والمحكمة بشأن حدود اختصاص القضاء الجنائي الدولي، ولا سيما عندما تتعلق التحقيقات بمواطنين أو مسؤولين من دول لا تعترف بسلطة المحكمة عليها.
الاتحاد الأوروبي يرفض الخطوة الأميركية
بدوره، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه الشديد لقرار واشنطن، مجدداً دعمه لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على مواصلة أداء مهامها القضائية بفاعلية.
وأكدت المفوضية الأوروبية، في بيان، أنها ستعمل بالتنسيق مع المحكمة والدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي، من أجل ضمان استمرار عمل المؤسسة القضائية باستقلالية وفاعلية.
وأشارت المفوضية إلى أن مهلة الأشهر الستة المرتبطة بالإجراءات الأميركية تتيح فرصة لفتح قنوات الحوار مع واشنطن، مؤكدة استعداد الاتحاد لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية عمل المحكمة ومصالح الجهات الاقتصادية الأوروبية داخل السوق الموحدة.
وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن العقوبات الأميركية بأنها خطوة «مؤسفة للغاية»، مؤكداً تمسك بلاده بالدفاع عن المحكمة التي تتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها، وداعياً إلى استثمار المهلة المحددة في الحوار لتفادي مزيد من التصعيد.
صراع يتجاوز العقوبات المالية
وتفتح الإجراءات الأميركية جبهة جديدة من الخلاف بين واشنطن والمؤسسات القضائية الدولية، في وقت تتمسك فيه المحكمة بحقها في ممارسة اختصاصاتها القانونية، بينما تصر الإدارة الأميركية على رفض أي ملاحقات قضائية تطال مواطنيها أو أفراد قواتها المسلحة وقادتها السياسيين.
وفي حين تراهن واشنطن على العقوبات للضغط على المحكمة والدول الداعمة لها، يواجه الاتحاد الأوروبي اختباراً في ترجمة دعمه السياسي إلى إجراءات عملية تضمن استمرار عمل المحكمة وحماية استقلالها.
ويبقى المسار الدبلوماسي، خلال المهلة المحددة، عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت المواجهة ستتجه نحو تسوية بين الجانبين، أم ستتحول إلى صراع أوسع بشأن استقلال القضاء الدولي وحدود نفوذ القوى الكبرى في المؤسسات متعددة الأطراف.