المصدر الأول لاخبار اليمن

ماالذي يحصل في دولة “ميركل”؟!

 

 

تقرير: محمد خلف *
الأحداث الدمويّة التي شهدتها مدينة كمينتس الألمانية الواقعة في شرق البلاد، والتي كان اسمها في العهد الشيوعي “كارل ماركس”،
أظهرت “أن اليمين الشعبوي وتيّارات النازية الجديدة في ألمانيا أصبحت أقوى، وأعلى صوتاً، وأكثر عدوانية، وأكثر تطرّفاً، وأكثر ثقة
بالنفس” كما ورد في تغريدة على “تويتر” للسياسية الألمانية من أصول فلسطينية سوسن شلبي التي تشغل منصب مفوّض برلين لدى الحكومة
الفيدرالية.

نزل آلاف من أنصار اليمين المتطرّف ومؤيّديه، بشكل عفوي إلى شوارع المدينة للاحتجاج على مقتل شاب ألماني في الخامسة والثلاثين من
عمره خلال شجار مع لاجئَين سوري وعراقي، رافعين شعار “نحن الشعب”. سرعان ما تطوّر الاحتجاج إلى عنف وصدامات متبادلة بين اليمين
المتطرّف ومعارضيه من اليسار المتطرّف، الذين كانوا تجمّعوا في تظاهرة مضادة ما تسبّب في سقوط جرحى بينهم لاجئ سوري في حالة حرجة
بحسب بيانات الشرطة في ولاية سكسونيا. وبحسب الشرطة، فإن “أكثر من مئة شخص أخفوا وجوههم “وبعضهم أدّوا تحية هتلر، فيما آخرون
انتزعوا الحجارة من الشوارع واستخدموها سلاحاً في المواجهة التي جعلت المدينة تبدو وكأنّها في حرب أهلية”.

دفع ذلك صحيفة “راينشه بوست إلى التنبيه ممّا وصفته بـ”مؤامرة لاستفزاز حرب أهلية فعلية تجذب المتطرّفين والنازيين لنشر الخوف
والرعب في نفوس المواطنين”.

منذ سنوات يتجمّع النازيون الجدد في محيط نادي كرة القدم المحلي، ويرى المحلل الألماني هانز بفايفر أن “الاسم الذي يحملونه (NS
Boys) يكشف كل شيء عن فكرهم وتوجّهاتهم، التي ترفض كل فقرة في الدستور الألماني: كرامة الإنسان والمساواة بين المواطنين وحظر
التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس”.

منذ فترة ووسائل الإعلام الألمانية تتحدّث وتنبّه السلطة الأمنية إلى نشاطات غير عادية في المدينة، وتعبئة قصوى تقوم بها هذه
الجماعات اليمينية المتطرّفة التي تحاول بسط سيطرتها على الأحياء والشوارع وفرض ثقافة موازية وعمليات (صيد) منظمة للأجانب من
اللاجئين والمهاجرين، ويشير بفايفر إلى “انخراط المهمّشين اجتماعياً، والغاضبين من السلطة والأحزاب السياسية وانضمامهم إلى صفوف
هذه الجماعات العنصرية الخطيرة، وهذا يثير شجون الماضي النازي وآلامه، هو الذي علمنا أن الحشد المنظم يمكن أن يصل إلى مستوى
خارج عن السيطرة”.

عنصرية وكراهية منفلتة

ما الذي يحدث في دولة ميركل؟ تساءل المعلّق السياسي في موقع “دويتشة فيلله” الكسندر اندرييف، وأجاب “يحدث بالضبط الشيء نفسه
الذي حدث قبل 25 سنة، حينما ارتجت المانيا إثر موجة عارمة من العنصرية والكراهية ضد الأجانب وطالبي اللّجوء السياسي، آنذاك تم
إحراق مجمّعات سكن اللاجئين وسقط قتلى، ولكن هذا لم يحفز أو يدفع السياسيين والسلطة إلى الإمعان في التفكير في تغيير سياسة
الهجرة، بما يتناسب مع المتغيّرات والتطوّرات الحاصلة في العالم، وتطبيق القوانين ضد منتهيكيها من الجماعات اليمينية والنازية
الجديدة”.

العنف ضد الأجانب في برلين والولايات الشرقية في ألمانيا أعلى بكثير مقارنة بالعنف في الولايات الغربية، وذلك وفقاً للإحصاءات
الرسمية. لكن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من الرسمية، كما تؤكّد منظمات المجتمع المدني إذ سجّلت في العام الماضي رسمياً 130
عملية عنف ضد الأجانب في ألمانيا، 61 منها نُفّذت في برلين وفي الولايات الخمس التي كانت تشكّل جمهورية ألمانيا الديمقراطية (
الشرقية). ولكن سكان مدينة برلين وهذه الولايات الخمس لا يشكّلون سوى 17 في المئة من سكان ألمانيا، على رغم ذلك وقع 47 في المئة
من حالات معاداة الأجانب في هذه المناطق، بحسب ما ذكرت صحيفة “ميتيل دويتشه تسايتونغ” استناداً إلى معلومات من وزارة الداخلية
التي تحدّثت عن تزايد في أعداد هذه العمليات بنسبة 40 في المئة عما كانت عليه عام 2013. وكشفت صحيفة (باساور نويه برسه
Passauer Neue Pres ) عن ارتفاع كبير في جرائم الكراهية ومعاداة الأجانب في ألمانيا عام 2015 بنسبة 116 في المئة، مقارنة مع
العام الذي سبقه، إذ تم تسجيل 8529 جريمة”. وقالت: “إن الأجهزة الأمنية سجلت 10373 جريمة موجّهة ضد مواقف سياسية أو جنسيات أو
ألوان بشرة أو ديانات”.

غضبت المستشارة ميركل ودانت الهجمات التي نظّمها اليمين المتطرّف ضد الأشخاص الذين يدلّ مظهرهم على أنهم أجانب، وأعلنت أن “لا مكان
في ألمانيا “للكراهية في الشوارع”. ورأت أن “ما شهدناه هو أمر لا مكان له في ديموقراطية دستورية”. وأضافت: “لدينا تسجيلات فيديو
لأشخاص يطاردون آخرين، ولتجمّعات جامحة، ولصور تعبّر عن الكراهية في الشوارع، وهذا لا مكان له في دولة دستورية”. واعتبرت مجلة “
دير شبيغل” أنه “عندما تتسبّب جموع متحمّسة من اليمين المتطرّف بحصول اضطرابات في وسط ألمانيا، وتصبح السلطات المعنية غير قادرة
على التعامل معها، فهذا يذكر قليلاً بالوضع في جمهورية فايمار”. وذلك في اشارة إلى النظام السياسي الذي نشأ في ألمانيا إبان
الحرب العالمية الأولى، وشهد تشكّل جماعات شبه عسكرية ساعدت في وصول النازيين إلى السلطة. في المقابل، قالت صحيفة بيلد “لا يمكن
أن تسمح الدولة أبداً لعصابات اليمين المتطرف بأن تسيطر على شوارعنا” ودعت السلطات في الوقت ذاته إلى ترحيل المجرمين الأجانب.
وأضافت “لفترة طويلة لم يتم التحرك، ولهذا السبب فإن الثقة في الدولة تهتز. ولهذا السبب أيضاً يعتقد العنصريون مثل أولئك في
مدينة كمنيتس أنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون. لا شيء يمكن أن يكون أكثر خطراً على بلادنا من ذلك”. وقالت صحيفة فرانكفورتر
الجيماينه زايتونغ “عندما تصبح مطاردة الأجانب ممكنة يكون قد تم التخلي عن حكم القانون… الآن يواجه حكم القانون والشرطة
اختباراً”.

رعب المهاجرين: صيحة كراهيّة

يثير صمت السلطة عن تنامي الجماعات النازية الجديدة صدمة في الأوساط الليبرالية داخل البلاد وفي أوساط الهيئات الأوروبية التي
اعتبرت ظهور موقع “رعب المهاجرين”… نموذجاً خطيراً من صيحات الكراهية والتحريض على اللاجئين والمهاجرين في ألمانيا، فعلى رغم
خرقه قانون العقوبات الألماني ودعوته إلى الكراهية وبيعه الأسلحة لمواجهة اللاجئين والمهاجرين، ما زال هذا الموقع فعّالاً على
الإنترنت ويتزايد عدد متابعيه. يقول الصحافي الألماني جيفرسون جاسه: “كنت أظنها في البداية نكتة سخيفة، موقع “رعب المهاجرين”
الناطق باللغة الألمانية، صفحة لم تثر الانتباه بسبب عنصريتها ضد اللاجئين فقط، بل من خلال عرضها للبيع أسلحة تستعمل ضد اللاجئين”.
يعمل هذا الموقع على خادم إنترنت روسي، ويعرض مختلف الأسلحة الأوتوماتيكية وغيرها، تتراوح أسعارها بين 229 و749 يورو للقطعة.
والدفع إلى الشراء من طريق الإنترنت أو عملة بيتكوين.

تنشط التيّارات والتنظيمات النازية في ألمانيا منذ 10 سنوات، وذلك في إطار ما يعرف باسم “الخلية النازية السرية” التي مقرّها
الرئيسي في مدينة “تسفيكاو” بشرق ألمانيا، وارتكب افرادها جرائم قتل كثيرة في أنحاء مختلفة من البلاد، وضحاياها كانوا ثمانية
أتراك ويوناني وشرطة، ودوافعها كلها كراهية الأجانب. كما تراقب السلطات الأمنية بقلق متزايد تنامي حركة (مواطني الرايخ) التي لا
تعترف بألمانيا الحديثة كدولة شرعية وتصر على أن (الرايخ الألماني) ما زال قائماً، على رغم هزيمة ألمانيا النازية في الحرب
العالمية الثانية. ووفقاً لتقديرات وكالة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) فإن هذه الجماعة تضم آلاف الأعضاء. يقول الصحافي
الألماني ميشيل فريدمان في تصريح نقلته “دويتشه فيلله” إن “لحظة الصفر بعد عام 1945 في ما يرتبط بالعنصرية وكراهية الأجانب لم
توجد أبداً، فالقوى التي استمرت في الحنين إلى هتلر في ألمانيا وصلت إلى الجيل الثالث، ما يعني أن أحفاد النازيين لهم أتباع”.

عادت إلى ذاكرة الألمان الأحداث التي سبّبتها أعمال العنف المناهضة للمهاجرين خلال الفترة التي أعقبت توحيد ألمانيا عندما تعرّضت
مساكن يقطنها عمال فيتناميون في مدينة روستوك إلى هجوم في آب/ أغسطس 1992، تم خلاله إحراقها على وقع تصفيق حشد ضم ثلاثة آلاف شخص
من مجموعات مشجعي كرة القدم (الهوليغانز). وكتبت صحيفة “بي زي” الشعبية: “تنتشر مجدداً مشاعر السرور عندما تحرق المساكن”.

تقول محلّلة الشؤون الالمانية كابكا تودورفا، “النازية متأصلة في المجتمع الألماني وبالتالي فإنها ليست ظاهرة جديدة تبلورت مع
موجات اللاجئين قبل ثلاث سنوات، كما أن أسبابها ليست اقتصادية، لأن الالمان عموماً يتمتعون بالرفاه والامتيازات الاجتماعية الكثيرة،
إذ قبل شهر تقريباً أصدرت محكمة ألمانية حكماً بالسجن المؤبد على (بيانه شتبه) وهي واحدة من ثلاثة من عناصر النازية الجديدة
قاموا في الفترة بين 2000 و2011 بقتل أجانب بينهم تركيان والآخر يوناني لمجرد كونهم غير ألمان وبدوافع الكراهية العرقية
والدينية”.

أوروبا الشرقية وبدايات العنصرية

حالة الاحتقان في أوساط سكّان الجزء الشرقي من الفيدرالية الألمانية الذي كان يعرف قبل أكثر من ثلاثة عقود خلال الحقبة السوفياتية
باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية تنبئ بتكرار الهجمات الجماعية والفردية ضد الأجانب واستمرارها لفترة طويلة مقبلة. ولكن لماذا
يحدث هذا فقط في الجزء الشرقي من البلاد؟ قبل كل شيء يجب الإقرار بأن العداء للأجانب والمهاجرين، حالة تشترك فيها جميع مجتمعات
دول أوروبا الشرقية (الشيوعية) سابقاً. وقال المحلل الأميركي كينان مالك في مقال له في صحيفة “نيويورك تايمز” حمل عنوان “هل
أوروبا الشرقية أكثر عنصرية من الغرب؟”، أن “المشاهد المختلفة من الحدود الأوروبية الشرقية خلال فترة اللجوء الجماعي من الشرق
الأوسط أثارت الكثير من الرعب والاشمئزاز”. هذا فيما تساءل المؤرخ البولندي الاميركي يان غروس” ألا يعتري أوروبا الشرقية أي إحساس
بالعار؟”، وقال “إن هذا يعكس فجوة سياسية وثقافية اساسية قسمت القارة الموحدة نصفين”. يتضح من استبيان نشرته صحيفة “اتلانتيك”
أن “14 في المئة من سكان بولندا، و24 في المئة من سكان المجر لا يرغبون في وجود جيران من المهاجرين والعمال الأجانب”. وخلص
استطلاع اجراه مركز (بيو) الأميركي للسلوكيات العالمية في الاختلافات بين شرق أوروبا وغربها، إلى “أن دول أوروبا الشرقية أقل عرضة
للتفكير في أنه شيء جيد لأي مجتمع أن يتكون من أناس من مختلف الأعراق والديانات والثقافات”. تقول تودوروفا “إن الأنظمة الشيوعية
التي حكمت أوروبا الشرقية لعقود طويلة عملت على بث الشك والخوف لدى أفراد المجتمع من الأجانب والوافدين لأغراض مختلفة، والإيحاء
بكونهم جواسيس لدول أجنبية أو ادوات بيد دول معادية. إلا أنها في الوقت نفسه، زرعت في نفوسهم من خلال الدعاية الرسمية والمناهج
الدراسية فكرة عبادة وتقديس ما سمي آنذاك (الصداقة بين الشعوب) لا سيما مع بلدان الشرق الأوسط وآسيا (التقدمية) والمكافحة من
أجل التحرر الوطني ضد الامبريالية، متجاهلين واقع أن المجتمعات الأوروبية لا ترتبط بأي سمات وتقاليد مشتركة مع اولئك القادمين
للدراسة أو العمل وفق منح حزبية أو حكومية اتفاقيات عمالة من فيتنام الشيوعية أو موزامبيق أو كوبا، أو من البلدان العربية
وأحزابها الشيوعية”. وتوضح “أن الألمان الشرقيين على خلاف أشقائهم الغربيين لم يسكنوا مع الوافدين الأجانب في مجمعات مشتركة،
وبالتالي لم يتعلموا سوية في المدارس، ولم يقيموا علاقات صداقة وتعارف مشترك في ما بينهم، بسبب أن هؤلاء الأجانب كانوا معزولين
في غيتوات ومجمعات سكنية بعيدة”. بل حتى أن السلطة الشيوعية في المانيا الشرقية بحسب المحلل الألماني توم مانيفيتس “منعت حتى
عام 1989 النساء الأجنبيات من ولادة أطفالهن داخل البلاد”.

وأظهر تقرير أعده “معهد دراسات الديمقراطية” في مدينة غيوتينغن، تكرّس للبحث في أسباب نهوض وتنامي نفوذ جماعات النازية الجديدة
في ألمانيا، “أن الحكومة والأحزاب السياسية الفاعلة والمؤثرة لم تقم بأي إجراءات ولم تتخذ أي قرارات تنفيذية لمنع تزايد دور
ونشاط هذه الحركات التي كانت تنشط من دون أن تثير انتباه السلطات الامنية أو الهيئات القضائية المعنية بإنفاذ القانون الذي
يحظر تبني الأفكار النازية ونشرها في البلاد، حتى أنها تجاهلت أن هذه التيارات أقامت مناطق كاملة محظورة بالكامل على الأجانب.
كما غضت الجهات القضائية المعنية والشرطة النظر عن قيامها بمهاجمة مراكز اللاجئين واحراقها وكذلك المؤسسات الرسمية التي تقدم
الخدمات لهم، وهذه الهجمات لم تقتصر على اللاجئين العرب والمسلمين وحسب، وإنما شملت مواطني دول أوروبا الشرقية”. هذا الواقع
يشير إلى أن الاستقطاب وصل مرحلة تنذر بأخطار حقيقية على السلم الاجتماعي والديمقراطية، لا سيما أن ألمانيا باتت دولة لاجئين
ومهاجرين، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن 20 في المئة من السكان هم من أصول أجنبية، وهي لا تزال تحتاج إلى المزيد من
المهاجرين على خلفية تزايد نسبة من تتجاوز أعمارهم الخامسة والستين، وتقلّص عدد الأطفال في كل أسرة، ما ينذر بقنبلة ديموغرافية
موقوتة، في وقت تحتاج البلاد مع ازدهار اقتصادها المتسارع إلى المزيد من الأيدي العاملة. وينبه التقرير إلى أن الاستقطاب السياسي
والاحتقان الاجتماعي سيكتسبان أبعاداً ذات مخاطر أكبر في المستقبل، إن لم تقم السلطة بتطبيق القوانين ومعاقبة من ينتهكها سواء
أكان من الألمان أو من اللاجئين والمهاجرين في الحدود القصوى.

هذا تعكسه وتنذر بحصوله الأرقام الرسمية التي تبيّن أن السلطات الأمنية سجّلت أكثر من 66 ألف جريمة مرتكبوها من اللاجئين
والمهاجرين و28 في المئة من جرائم السرقة والاحتيال والتزوير أيضاً مرتكبوها أجانب، وذلك في الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى
حزيران/ يونيو الماضي، أما في الفترة من كانون الثاني إلى آذار/ مارس 2018 فقد سجّلت 89 جريمة قتل أو محاولة قتل، 64 منها
مرتكبوها أجانب.
* صحفي عراقي/ صحيفة درج الإلكترونية

قد يعجبك ايضا