المصدر الأول لاخبار اليمن

استراتيجية الردع اليمنية.. كيف أثبتت نجاحها في مواجهة الغطرسة الأمريكية؟

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

كشفت البلطجة الأمريكية، من خلال سلسلة من الممارسات العدوانية التي طالت دولًا ذات سيادة، هشاشة النظام الدولي وعجز القوانين والمؤسسات الأممية عن حماية الدول من الغطرسة الأمريكية، فمن العدوان على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، إلى الاستيلاء على ناقلات نفط تحمل النفط الفنزويلي، وحديث الرئيس الأمريكي صراحة عن الاستحواذ على ثروات هذه الدولة، وصولًا إلى التلويح باستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، تتبدّى صورة نظام دولي عاجز، تُنتهك فيه السيادة دون رادع أو محاسبة.

 

 

تكريس منطق القوة

لم يمر أسبوع على عدوان الولايات المتحدة الامريكية على فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي مادورو وزوجته واقتيادهما الى الولايات المتحدة الامريكية لمحاكتهما حتى اعلن الجيش الأمريكي امس الأربعاء استيلاءه على ناقلتي نفط تحملان النفط الفنزويلي في شمال المحيط الأطلسي، إحداهما ترفع العلم الروسي ، في سابقة خطيرة من القرصنة البحرية الدولية ،ولم تقتصر المشاركة على واشنطن وحدها، إذ أعلنت وزارة الدفاع البريطانية دعمها للعملية، بمشاركة طائرات تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، ما يعكس اصطفافًا غربيًا لتكريس منطق القوة بدلًا من احترام القانون الدولي.

ويأتي ذلك بالتوازي مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كشف فيها عبر منصته “تروث سوشال” عن توجه واشنطن للاستيلاء على 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، ليتم نقله إلى الموانئ الأمريكية، في إقرار علني بنهب ثروات الدول تحت غطاء العقوبات.

وقبل ذلك بيوم واحد، وفي الخامس من يناير، كشف البيت الأبيض أن الرئيس ترامب يدرس عددًا من الأفكار للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع مملكة الدنمارك، مؤكدًا أن اللجوء إلى الخيار العسكري “يبقى مطروحًا.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن ترامب يعتبر الاستحواذ على غرينلاند أولوية للأمن القومي الأمريكي، بزعم “ردع الخصوم في منطقة القطب الشمالي”.

ورغم محاولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التخفيف من حدة التصريحات، عبر تأكيده أن واشنطن تسعى إلى “شراء” الجزيرة وليس غزوها عسكريًا، إلا أن مجرد التلويح باستخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، يعكس استخفافًا واضحًا بمبدأ السيادة الذي يفترض أن يحكم العلاقات الدولية.

وتكشف هذه الوقائع المتلاحقة أن النظام الدولي القائم لم يعد سوى إطار شكلي، تُعطّله الولايات المتحدة متى ما تعارض مع مصالحها، فيما تقف مؤسسات المجتمع الدولي عاجزة عن ردع العدوان أو حماية الدول المستهدفة.

 

 

واقع دولي مأزوم

هذه الغطرسة الأمريكية تأتي في ظل واقع دولي مأزوم، لا تبدو فيه أي قوة عالمية مستعدة فعليًا للوقوف في وجه الولايات المتحدة أو كبح ممارساتها العدوانية، فعلى الرغم من تصاعد الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي وتكرار الاعتداء على سيادة الدول، تكتفي القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، بإصدار بيانات الإدانة والتصريحات الدبلوماسية، دون أن يُترجم ذلك إلى تحرك عملي قادر على ردع واشنطن أو فرض كلفة سياسية أو قانونية على تجاوزاتها.

ويعكس هذا الموقف حالة من العجز أو التواطؤ غير المعلن داخل المنظومة الدولية، حيث بات ميزان القوة مختلًا لصالح الولايات المتحدة، التي تستثمر هذا الفراغ في فرض سياساتها بالقوة، وتوسيع دائرة نفوذها على حساب الشعوب والدول المستقلة، دون خشية من المساءلة أو العقاب.

وفي ظل هذه المعطيات، تشير المؤشرات إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ماضٍ في دفع الولايات المتحدة نحو مزيد من الغطرسة السياسية والعسكرية، مستندًا إلى غياب الردع الدولي، ومراهنًا على صمت المجتمع الدولي وانشغال القوى الكبرى بحساباتها الخاصة، ما ينذر بمرحلة أكثر خطورة في العلاقات الدولية، عنوانها تكريس شريعة القوة ونسف ما تبقى من قواعد النظام الدولي.

 

بناء القدرات العسكرية رهان الشعوب الحقيقي

وأمام هذا التوجه الأمريكي المتصاعد، وفي ظل الواقع الدولي المأزوم الذي تعيشه القوى العالمية التي تبدو عاجزة عن الوقوف في وجه الغطرسة الأمريكية أو كبح سياساتها العدوانية، يبرز رهان آخر تفرضه الوقائع، يتمثل في اعتماد الشعوب – ولا سيما المستهدفة من واشنطن – على قدراتها الذاتية، وفي مقدمتها بناء وتطوير عناصر القوة الدفاعية التي تمكّنها من حماية سيادتها وفرض معادلات ردع حقيقية.

وتشير تجارب السنوات الأخيرة إلى أن امتلاك الإرادة والقدرة، وعدم الارتهان للمنظومة الدولية، شكّل عاملًا حاسمًا في مواجهة الضغوط والاعتداءات الخارجية.

 ويبرز في هذا السياق النموذج اليمني، الذي اعتمد على نفسه في بناء قدراته العسكرية، ما مكّنه من الصمود في وجه التدخلات الخارجية، وفرض واقع ميداني جديد خلال الحرب الأخيرة التي شهدت تدخلًا أمريكيًا مباشرًا دعمًا لـ “إسرائيل” على خلفية التدخل اليمني لإسناد غزة.

وبحسب المؤشرات، فقد أسهم هذا الواقع في إرباك الحسابات الأمريكية، ودفع الإدارة الأمريكية، بما فيها الرئيس دونالد ترامب، إلى  التوجه إلى مسار التهدئة عبر وساطة سلطنة عُمان مع صنعاء، في خطوة عكست فشل خيار القوة في تحقيق أهدافه، ورسّخت قناعة مفادها أن الشعوب القادرة على امتلاك عناصر قوتها تستطيع فرض معادلات جديدة، حتى في مواجهة القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة زعيمة البلطجة في العالم.

قد يعجبك ايضا