تشهد الخارطة السياسية والعسكرية جنوب اليمن تحولات جوهرية، تبدو في ظاهرها صراعاً على النفوذ بين قطبي التحالف (الرياض وأبوظبي)، لكنها في العمق تكشف عن إعادة ترتيب للأوراق الإقليمية برعاية “إسرائيلية -أمريكية -بريطانية”، وتهدف هذه التحركات بشكل مباشر إلى إيجاد بديل محلي قادر على تأمين المصالح الإسرائيلية في مضيق باب المندب، بعد الحصار الذي فرضته صنعاء على الكيان في معركة دعم وإسناد أبناء غزة منذ معركة طوفان في 7 أكتوبر 2023م.
لم يكن “مؤتمر الأمن البحري” الذي عقد في الرياض، خلال سبتمبر الماضي مجرد لقاء عابر، بل كان بمثابة إعلان انتقال المهمة إلى السعودية، خصوصا بعد فشل تحالف “حامي الازدهار” الدولي الذي تقوده أمريكا وبريطانيا وبمشاركة مباشرة من العدو الصهيوني، تحييد ضربات صنعاء التي حولت السفن الإسرائيلية إلى أهداف صيد سهلة في البحر الأحمر، اتجهت الدبلوماسية الغربية نحو الدفع بالسعودية لتولي الملف عسكريا عبر أدوات يمنية محلية، في مسرحية هزلية للإمارات وفصائلها المسلحة.
ويأتي ذلك في محاولة لإضفاء صبغة “شرعية” على حماية الملاحة التي تخدم الكيان الصهيوني، وهو ما تجلى في التحركات العسكرية المكثفة الإماراتية السعودية منذ مطلع ديسمبر الجاري في المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن، وما افرزتها تلك التحركات، ليبرز تساؤل جوهري حول أسباب تقليص الدور الإماراتي لصالح السعودية، الذي من المرجح أن ذلك ناتج عن الفشل العسكري للفصائل الموالية لأبوظبي في الساحل الغربي عن وقف العمليات المسيرة والصاروخية لقوات صنعاء، بل وقد يكون إنهاء الدور الإماراتي خطة استباقية بتوجيه صهيوني لتحييد المصالح الاقتصادية في دبي وأبوظبي عن بنك أهداف القوات اليمنية، ونقل عبء المواجهة المباشرة إلى السعودية التي تمتلك عمقا جغرافيا أكبر، ولكن بتكلفة سياسية وأمنية باهظة.
وفي المقابل، يمثل الاعتماد على قوات “درع الوطن” الممولة سعوديا وكذلك “العمالقة”، ذات التوجه السلفي، تحولا استراتيجيا خطيرا، حيث يتم الدفع بتلك الجماعات العقائدية التي تضم عناصر وقيادات في التنظيمات الإرهابية لمواجهة قوات صنعاء بهدف خفض الكلفة البشرية والمادية للقوى الدولية، واستبدال التدخل الأجنبي المباشر بحرب استنزاف “يمنية -يمنية”، تهدف هذه الخطة إلى تغيير طبيعة الصراع وتحويله من مواجهة ضد الأطماع الخارجية إلى صراع أيديولوجي داخل اليمن يخدم أمن “إسرائيل” في نهاية المطاف بالمنطقة، دون أن تطلق الأخيرة رصاصة واحدة من بوارجها الحربية.
ومع ذلك، لم تكن القيادة الثورية والسياسية في صنعاء بمعزل عن تلك التحركات السعودية في جنوب وشرق اليمن، وسيطرة قواتها البحرية على السواحل اليمنية، ليست لإرساء الأمن والاستقرار، أو لترميم “الوحدة اليمنية” كما يروج الإعلام التابع للتحالف، بل هي غطاء سياسي لتحركات عسكرية قادمة تهدف لتقويض سيادة اليمن على مياهه الإقليمية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، مساء الخميس الماضي، لتؤكد أن الرياض وقعت في فخ الاستدراج الأمريكي لمهمة “حارس المصالح الإسرائيلية”، وهو دور قد يعيد إنتاج مشهد استهداف المنشآت الحيوية السعودية، إذا ما استمر التصعيد والابتعاد عن الحلول السياسية الشاملة.
وقال الفرح في منشور له على منصة “إكس” : “الحقيقة هي أن الإمارات، بعد فشلها في توحيد فصائل المرتزقة للقتال بديلا عن إسرائيل، جرى تسليم هذا الدور إلى السعودية للقيام بالمهمة نفسها.. ومن عاش خبر”.
وبالتالي، تغامر السعودية اليوم برصيد الهدنة الهشة مع صنعاء مقابل وعود “أمريكية -إسرائيلية” بتمكين نفوذها في جنوب وشرق اليمن، مقابل إيجاد منفذا لها لمد أنبوب النفط باتجاه المياه المفتوحة على بحر العرب، ولكن هذه اللعبة سوف ترتد عكسيا عليها، لأن استخدام الفصائل السلفية لحماية الملاحة الصهيونية سيضع الرياض في مواجهة مباشرة مع البركان اليمني الذي سينفجر، مما يجعل من منشآتها الاقتصادية أهدافا مشروعة في مواجهة حتمية تتجهز لها صنعاء بقدرات عسكرية غير متوقعة.
فهل تدرك الرياض، التي أعلنت الحرب على اليمن من واشنطن في 26 مارس 2015، مع استمرار مراوغتها تحت مسمى “الوسيط”، أنها تنزلق نحو دور الوكيل الحصري لأمن “إسرائيل” في المنطقة؟، الإجابة ستحددها الأيام القادمة فوق المنشآت النفطية السعودية ومضيق باب المندب.