المصدر الأول لاخبار اليمن

كيف تسعى أمريكا و”إسرائيل” لتوريط الدول العربية في المواجهة مع إيران؟

حرب بالوكالة في الشرق الأوسط

تقرير/عبدالكريم مطهر مفضل/ وكالة الصحافة اليمنية

لم تعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، مجرد صراع ثنائي تدور رحاه بين قوتين متواجهتين، بل تحولت تدريجياً إلى محاولة لإعادة تشكيل خريطة الصراع في الشرق الأوسط عبر توسيع دائرة الحرب وإشراك أطراف إقليمية ودولية إضافية.

فالتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي تسعيان إلى نقل المواجهة من كونها حرباً مباشرة مع إيران إلى صراع متعدد الأطراف، بحيث تتحول دول المنطقة إلى جزء من مسرح العمليات.

هذه الاستراتيجية، وفق خبراء عسكريون، لا تعكس فقط حسابات عسكرية، بل تكشف أيضاً عن إدراك متزايد داخل دوائر القرار الغربية بأن المواجهة مع إيران لن تكون سهلة أو قصيرة، وأن خوضها بشكل منفرد قد يحمل كلفة باهظة سياسياً وعسكرياً.

وتأتي هذه التحركات في ظل تحذيرات دولية متزايدة من أن توسيع رقعة الحرب قد يدفع المنطقة إلى مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، مع تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.

 

استدراج المنطقة إلى ساحة الحرب

أحد أبرز المؤشرات على هذه الاستراتيجية برز في الاتهامات التي وجهتها روسيا للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بمحاولة جرّ الدول العربية إلى الصراع.

حيث قالت وزارة الخارجية الروسية إن “واشنطن وتل أبيب تعمدتا استفزاز إيران بهدف دفعها إلى تنفيذ ضربات انتقامية داخل بعض الدول العربية، وهو ما قد يؤدي تلقائياً إلى إدخال تلك الدول في قلب المواجهة”.

وبحسب هذا التقدير، فإن استهداف مواقع أو قواعد عسكرية داخل أراضٍ عربية قد يخلق واقعاً أمنياً جديداً يفرض على تلك الدول الانخراط في الحرب، سواء عبر تقديم دعم عسكري مباشر أو الانضمام إلى تحالفات تقودها الولايات المتحدة.

وترى الصحفية والمحللة الفلسطينية الدكتورة إسراء نصار في حديثها لوكالة الصحافة اليمنية أن هذا السيناريو يعكس محاولة لتحويل الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، بحيث تصبح إيران في مواجهة شبكة من الدول وليس فقط مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

هذه المقاربة تعكس – وفق الدكتورة إسراء – محاولة لإعادة تشكيل تحالفات الحرب، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة بين إيران من جهة والاحتلال الإسرائيلي ومن خلفها الغرب والولايات المتحدة من جهة أخرى.

 

توسيع التحالف: من الشرق الأوسط إلى الغرب والقوقاز

المعطيات الأخيرة تشير إلى أن هذه الاستراتيجية بدأت تتجسد على أرض الواقع وتعكس بالفعل توجهاً نحو توسيع نطاق التحالف العسكري في مواجهة إيران.

فإعلان كندا مشاركتها في العمليات العسكرية ضد إيران مثّل خطوة إضافية نحو توسيع التحالف الغربي في المواجهة، ما يعكس رغبة واشنطن في إشراك حلفائها في تحمل أعباء الصراع.

لكن التطور الأكثر حساسية جاء من منطقة جنوب القوقاز، حيث أمر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف جيش بلاده بالاستعداد لتنفيذ هجمات عسكرية ضد إيران، متهماً طهران بالوقوف وراء هجوم استهدف جيب ناخيتشفان الأذربيجاني.

ورغم نفي طهران لهذه الاتهامات، فإن التصعيد الأذربيجاني يفتح الباب أمام احتمال ظهور جبهة جديدة شمال إيران، خاصة في ظل العلاقات العسكرية الوثيقة بين باكو وكيان الاحتلال الإسرائيلي.

ويُعد الاحتلال الإسرائيلي من أبرز موردي السلاح لأذربيجان، كما أن التعاون الأمني بين الجانبين تعزز بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل جنوب القوقاز ساحة محتملة لتوسيع الضغوط العسكرية على طهران.

يأتي ذلك بعد يوم واحد من إعلان البنتاجون أن طهران استهدفت رتل عسكري شمال إيران أثناء محاولات تسلل لجماعات كردية معارضة للنظام الإيراني في شمال العراق، وهو ما نفته أيضاً طهران.

يرى الصحفي والمحلل السياسي العراقي صالح المياج في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية أن فتح جبهة توتر جديدة شمال إيران سواء عبر أذربيجان أو الجماعات الكردية المعارضة في شمال العراق قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع للضغط العسكري والسياسي على طهران.

 

عجز أمريكي “إسرائيلي”

ومع تصاعد الضربات العسكرية الإيرانية وعجز أمريكا والاحتلال الإسرائيلي في التصدي لها، بدأت تتكشف ملامح استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع دائرة الصراع في الشرق الأوسط.

يؤكد الكاتب والصحفي الفلسطيني محمد شاهين لوكالة الصحافة اليمنية، أن كل محاولات أمريكا والاحتلال الإسرائيلي لتوسيع الحرب ضد إيران عبر استدراج دول عربية أو خلق جبهات جديدة – مثل مشاركة كندا أو تحركات أذربيجان والأكراد – تكشف في العمق عجزهما عن مواجهة إيران منفردتين.

ويقول شاهين: إن الاعتماد على حلفاء إضافيين ليس مجرد تحرك تكتيكي، بل يعكس هشاشة الاستراتيجية الأمريكية “الإسرائيلية” وقدرتها المحدودة على حسم الصراع بالقوة.

 

لماذا تحتاج أمريكا والاحتلال إلى حلفاء؟

يطرح هذا التوسع في التحالفات سؤالاً محورياً حول أسباب سعي الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي إلى إشراك أطراف أخرى في المواجهة.

ويرى محللون أن أحد الأسباب الرئيسية يتمثل في صعوبة حسم المواجهة مع إيران عسكرياً بشكل سريع، نظراً لقدراتها العسكرية وشبكة حلفائها الإقليميين.

وفق تقديرات المياج، ترتبط  مساعي واشنطن وتل أبيب بتوسيع التحالف الحالف ضد طهران، بطبيعة المواجهة مع إيران نفسها، فإيران لا تُعد مجرد دولة تمتلك قدرات عسكرية تقليدية، بل لاعب إقليمي يمتلك شبكة من الحلفاء والفاعلين المسلحين الممتدين في عدة ساحات، تمتد من جماعات شيعية في الخليج إلى العراق ولبنان واليمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة ومعقدة.

ويضيف المياج، المواجهة مع إيران تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية خطيرة، إذ تقع في قلب منطقة تتحكم بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو ما يجعل أي تصعيد واسع محفوفاً بتداعيات عالمية.

لهذا يرى المياج، أن توسيع التحالف العسكري قد يكون محاولة لتوزيع كلفة الحرب اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وتقليل الضغوط التي قد تواجهها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي إذا خاضتا المواجهة بمفردهما.

 

وهو ما ذهبت إليه أيضاً الدكتورة إسراء قائلة: إن “توسيع التحالف العسكري يهدف إلى توزيع أعباء الحرب وتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية عن واشنطن وتل أبيب”.

 

المخاطر على الدول العربية

لكن هذه الاستراتيجية قد تضع الدول العربية نفسها في قلب معادلة خطرة.

فوجود قواعد عسكرية أمريكية في عدد من الدول العربية يجعلها أهدافاً محتملة لأي رد إيراني، خاصة إذا تحولت تلك القواعد إلى منصات لعمليات العدوان العسكري.

كما أن انخراط بعض الدول في الحرب قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التوترات الإقليمية، في منطقة تعاني أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة.

وترى الدكتورة إسراء، أن أخطر ما في هذا السيناريو هو احتمال تحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، حيث تختلط الحسابات الجيوسياسية بالمصالح العسكرية والاقتصادية.

 

بين الحسابات العسكرية والواقع الإقليمي

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الصراع الدائر يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، ليصبح جزءاً من معركة أوسع لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

وبينما تسعى إدارة ترامب و”حكومة نتنياهو” إلى توسيع دائرة التحالفات في مواجهة إيران، يرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية قد تدفع المنطقة إلى دوامة صراع إقليمي مفتوح يصعب احتواؤه، ستؤدي إلى نتيجة معاكسة.

وفي قراءة مغايرة لمسار التصعيد، يرى شاهين، أن الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران تسير نحو تكرار أخطاء أمريكية تاريخية مكلفة، مؤكداً أن محاولة واشنطن تشكيل تحالفات عربية وخليجية لاحتواء طهران لن تغيّر من حقيقة أن الحروب التي تقودها الولايات المتحدة لتغيير موازين القوى في المنطقة غالباً ما تنتهي بنتائج عكسية.

ويشير شاهين إلى أن التجارب السابقة تقدم مؤشرات واضحة على ذلك، موضحاً أن سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 جاء إلى حد كبير كرد فعل على الدعم الأمريكي غير المحدود له، في حين أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 – الذي كان يفترض أن يحد من نفوذ طهران – انتهى عملياً إلى توسيع حضورها السياسي والعسكري داخل بغداد.

ويضيف أن أي مواجهة عسكرية مباشرة لتحالف عسكري واسع مع إيران قد تمنح النظام الإيراني فرصة لتعزيز نفوذه، بل وقد تدفع طهران إلى تسريع تحويل برنامجها النووي من قدرة ردع كامنة إلى سلاح فعلي في وقت قياسي، في سيناريو يذكّر بما حدث مع كوريا الشمالية التي انتقلت إلى امتلاك السلاح النووي بعد سنوات من الضغوط والتهديدات الأمريكية الغربية.

ويرى شاهين أن الرهان على الحسم العسكري أو بناء تحالفات إقليمية ضد إيران لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد الاستراتيجي في المنطقة، مشدداً على أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في تبني ما يصفه بـ“استراتيجية احتواء ذكية”، تقوم على تعزيز سياسة “الردع التقليدي” الأمريكية الذي قد تفقده واشنطن جراء غباء وتهور ترامب والقائم على دعم الحلفاء المحليين من العملاء والمعارضة في الخارج مع إبقاء علاقات دول الخليج مع طهران دون الانزلاق إلى حرباً إقليمية مفتوحة، بهدف ضمان إعادة تفعيل قنوات الدبلوماسية غير المباشرة مع طهران خاصة مع ظهور بوادر فشل العدوان العسكري عليها.

ويؤكد شاهين، أن الاتفاق النووي لعام 2015، رغم ما شابه من ثغرات، كان يمثل إطاراً عملياً للحد من المخاطر النووية دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة، معتبراً أن التخلي عنه دون تقديم بديل واقعي لم يؤدِّ إلا إلى نتيجة واحدة: تسريع وتيرة تقدم البرنامج النووي الإيراني مقارنة بما كان عليه قبل الاتفاق.

وختاما، تبقى المنطقة في ظل هذه المعادلة المعقدة، أمام مفترق طرق خطير: إما احتواء التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، أو الانزلاق إلى حرب متعددة الجبهات قد تعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط بأكملها.

 

قد يعجبك ايضا