عادت أسواق النفط العالمية إلى واجهة التوترات السياسية والأمنية، بعدما دفعت التطورات الأخيرة بين أمريكا وإيران أسعار الخام إلى تسجيل قفزات ملحوظة، وسط مخاوف متزايدة من تعثر المساعي الدبلوماسية واتساع دائرة التصعيد في المنطقة. ويعكس هذا الارتفاع حساسية أسواق الطاقة لأي مؤشرات تهدد استقرار الإمدادات، خاصة في ظل ارتباط منطقة الشرق الأوسط بجزء كبير من إنتاج وتصدير النفط العالمي.
التصريحات الأمريكية الرافضة للرد الإيراني تعكس تعقّد مسار المفاوضات بين الطرفين، ما يزيد احتمالات استمرار التوتر ويفتح الباب أمام مزيد من التصعيد السياسي وربما العسكري.
اليوم، قفزت أسعار النفط العالمية بنحو 5 %، ، عقب إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عدم قبوله الرد الإيراني على مقترح بلاده لإنهاء الحرب، ما أثار مخاوف من تعثر المساعي الدبلوماسية والتصعيد.
وارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بنسبة حوالي 4.3-5 % لتصل إلى نحو 105 دولارات للبرميل.
كما صعدت العقود الآجلة للنفط الخام الأمريكي بنسبة مشابهة (حوالي 3.8-4.7 بالمئة) لتبلغ قرابة 99 دولاراً للبرميل صباح اليوم.
وجاء هذا الارتفاع بعدما وصف ترامب، في منشور عبر منصته “تروث سوشيال”، الأحد، الرد الإيراني على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب بأنه “غير مقبول”.
ارتفاع أسعار النفط يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، إذ يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، ما قد ينعكس على معدلات التضخم وأسعار السلع في مختلف الدول.
قفزة الأسعار تعكس حالة القلق في الأسواق العالمية، حيث يلجأ المستثمرون إلى شراء النفط تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية قد تقلص المعروض العالمي.
وكالة أنباء تسنيم الإيرانية، نقلت فحوى رد طهران على واشنطن، الذي تضمن وقفًا فوريًا للحرب على جميع الجبهات وضمانات بعدم شن أي هجمات مستقبلية على إيران ورفعا كاملا للعقوبات الأمريكية، بما يشمل قيود تصدير النفط، خلال 30 يوما.
وشمل الرد أيضا إنهاء الحصار البحري فور توقيع اتفاق مبدئي، بجانب الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وتولي إيران إدارة مضيق هرمز مقابل التزامات أمريكية.
معدلات التضخم، جراء التوتر بين أمريكا وإيران، ارتفعت في أمريكا ذاتها، وأوروبا، بشكل حاد، حيث وصل سعر البنزين إلى 1.15 دولار للجالون منذ بدء الحرب، مما دفع التضخم الأساسي نحو مستويات تهدد بخنق النمو.
من زاوية اقتصادية أخرى، تصاعدت أزمة الشحن، وزادت تكاليف الوقود، لتؤثر على الشحن البحري والجوي.
يخشى المحللون من دخول الاقتصاد العالمي في حالة “Stagflation”، حيث يجتمع الركود الاقتصادي مع التضخم المرتفع، مما يجعل الأدوات التقليدية للبنوك المركزية (مثل رفع الفائدة) غير فعالة أو مؤلمة للغاية، كما أن الأزمة دفعت العديد من الدول لاستخدام احتياطاتها الاستراتيجية وتسريع التوجه نحو الطاقة المتجددة، لكن هذه الحلول لا تكفي لسد الفجوة الهائلة التي خلفها توقف إمدادات الخليج وإيران.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، فإن الضغوط التضخمية ستستمر في التصاعد، مما قد يؤدي إلى انهيار في القوة الشرائية للمستهلكين عالمياً واضطرابات اجتماعية في الدول الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
يمكن القول إن الصراع الأمريكي-الإيراني قد تجاوز أبعاده الإقليمية ليتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية عابرة للحدود.
فبينما تحاول واشنطن استخدام الضغط العسكري والسياسي، تستخدم طهران موقعها الجيوسياسي للضغط على عصب الاقتصاد الدولي.
ومع استمرار هذا الانسداد يعني دفع العالم نحو “ركود تضخمي” طويل الأمد، قد يغير الخارطة الاقتصادية العالمية، ويجبر الدول على إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والنفطية.
يبقى الحل الدبلوماسي هو المخرج الوحيد لتفادي انهيار اقتصادي شامل، حيث أثبتت هذه الأزمة أن “أمن الطاقة هو الوجه الآخر للأمن القومي” لجميع القوى العظمى دون استثناء.