المصدر الأول لاخبار اليمن

كيف يغطي الوهم الدولي مخططات الضم والتفريغ في الضفة الغربية؟

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

تُصر الأدبيات السياسية الدولية على التمسك بشعار “حل الدولتين” كصيغة وحيدة لتسوية ما يسمى بالصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” ، غير أن تفكيك الوقائع الميدانية والخطط المعتمدة من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي يكشف عن فجوة سحيقة بين هذا الخطاب الدبلوماسي وبين الإستراتيجية الفعلية المطبقة على الأرض.

 هذا التناقض البنيوي برز بوضوح في المقال التحليلي الصادم الذي نشرته الكاتبة “الإسرائيلية” المتخصصة في الشؤون الفلسطينية، عميرة هيس، مؤخراً في صحيفة “هآرتس” العبرية والتي استندت إلى تقرير استقصائي نشرته الصحفية هاجيت روزنباوم في صحيفة “بيشيفع”، الناطقة باسم تيار المستوطنين واليمين الديني المتطرف.

 وأكدت هيس أن أهمية تقرير “بيشيفع” لا تنبع من كونه تحليلاً صحفياً، بل لكونه يعكس وصفاً دقيقاً ومخططاً تنفيذياً يُدار من داخل الدوائر القريبة من وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، عبر ما يُعرف بـ“حركة كماشة” تقوم على مسارين متوازيين: الخنق الاقتصادي والتوسيع الجغرافي، بهدف تقويض وجود السلطة الفلسطينية وتهيئة الظروف لتفريغ الضفة الغربية ديمغرافياً .

 

الخنق الاقتصادي الممنهج وصناعة الإفقار

في الوقت الذي يكتفي فيه المجتمع الدولي بتقديم وعود شفهية لدعم بناء المؤسسات الفلسطينية، تنقل “هيس” عن تقرير “بيشيفع” وجود سياسة تعتيم وتجفيف مالي متعمد لإضعاف السلطة عن طريق قرصنة أموال المقاصة وتجميدها ، وتشير هيس إلى تجميد  7.5 مليار شيكل (حوالي 2 مليار دولار)، مما حرم السلطة من 65% من إيراداتها العامة.

 وتؤكد الكاتبة أن هذه الإجراءات أدت إلى عجز السلطة عن إدارة مؤسساتها الأساسية ودفع الرواتب ،وميدانياً، تُرجم ذلك باضطرار الحكومة الفلسطينية لصرف نسب تتراوح بين 50% إلى 60% فقط من رواتب الموظفين، مما أصاب قطاعات التعليم والصحة بالشلل .

 

إغلاق سوق العمل والبطالة القسرية

 سلّطت الكاتبة الضوء على تقييد عمل العمال الفلسطينيين  ، وتُثبت الأرقام أن إلغاء تصاريح ما بين 150,000 إلى 200,000 عامل تسبب في قفز معدلات البطالة في الضفة الغربية إلى ما فوق 35%، متسبباً بانكماش اقتصادي عام تجاوزت نسبته 20% وفق تقارير البنك الدولي .

وتخلص هيس إلى أن الهدف من هذا الضغط الاقتصادي المتعمد — بحسب الخطاب الداخلي لتيار المستوطنين — هو إحداث نتائج سياسية ومجتمعية مباشرة؛ إما عبر خلق فوضى عارمة تؤدي لتمرد الشارع على قيادة السلطة، أو دفع السكان نحو اليأس المطلق والهجرة خارج الضفة الغربية، وهو ما يمثل التطبيق الحرفي لـ “خطة الحسم” التي أعلنها “سموتريتش” عام 2017

 

التمزيق الجغرافي وإلغاء مفاعيل “أوسلو”

المسار الثاني الموثق في التقرير يكشف عن خطة “إسرائيلية” لإعادة صياغة جغرافية الضفة الغربية، وإعادة تصنيف المناطق (أ) و(ب) مستغلة غياب أي ردع دولي حقيقي يجاوز بيانات القلق ،حيث كشفت  هيس عن مساعٍ لنقل صلاحيات أمنية وإدارية من المناطق التابعة اسمياً للسلطة الفلسطينية إلى المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة “الإسرائيلية” الكاملة والتي تشكل 61% من مساحة الضفة .

وتنوه الكاتبة بأن هذه الخطوات المتسارعة على الأرض تهدف بوضوح إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو عملياً، وفرض وقائع ميدانية غير قابلة للتراجع، مع انتظار “اللحظة السياسية المناسبة” لتثبيت هذا التحول قانونياً وسيادياً.

 

التواطؤ الدولي والتوظيف السياسي لأموال المقاصة

لم يقتصر تقرير هيس على رصد الممارسات “الإسرائيلية” بل تعداه لتعرية الموقف الدولي الذي يبيع الفلسطينيين وعود الدولة بينما يساهم في إدارة أزمتهم بما يخدم الاحتلال .

وتكشف الكاتبة عن نقاشات دولية، تتصدرها الولايات المتحدة الأمريكية، تطالب بتحويل جزء من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة بشكل غير قانوني إلى ما يُعرف بـ“مجلس السلام”  في غزة المتعثر ماليًا ودوليًا.

 وتضع الكاتبة هذا التوجه في سياقه الحقيقي باعتباره توظيفاً سياسياً مشبوهاً لأموال فلسطينية خالصة لتمويل كيانات ومشاريع دولية هلامية، بدلاً من إعادتها لأصحابها الأصليين لإنقاذ المؤسسات الوطنية، مما يمنح الاحتلال مظلة دولية ووقتًا إضافيًا لاستكمال مخططاته.

 

تفكيك وإحلال تحت مظلة “الوهم”

تخلص عميرة هيس في قراءتها التحليلية لواقع الضفة الغربية إلى نتيجة مركزية: إن ما يجري على الأرض ليس سلسلة إجراءات عقابية منفصلة أو مؤقتة، بل هي سياسة استراتيجية متكاملة ومستمرة لـ “التفكيك والإحلال” ، و بسط سيطرة “إسرائيل” على الضفة الغربية ،بعد إفراغها من الفلسطينين.

قد يعجبك ايضا