المصدر الأول لاخبار اليمن

هل أنهت إيران فعليًا مشروع تغيير “الشرق الاوسط”؟

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

بعد أربعة أسابيع من اندلاع العدوان الامريكي “الاسرائيلي”  على إيران، تبدو ملامح المشهد الإقليمي وقد تغيّرت بصورة جذرية، إلى حدّ يدفع للقول إن مشروع “تغيير الشرق الأوسط” الذي روّج له رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي ” بنيامين نتنياهو ” قد تلقّى ضربة قاصمة، وانتهى فعليًا ، فما بدأ كحملة عسكرية معلنة تحت عناوين “إسقاط” النظام الإيراني، سرعان ما تحوّل إلى حرب استنزاف مفتوحة، كشفت حدود القوة الأمريكية و”الإسرائيلية” وأظهرت فجوة كبيرة بين التقديرات السياسية والواقع الميداني حيث اصطدمت رهانات واشنطن و” تل أبيب” بحقيقة مغايرة، مفادها أن الجمهورية الإسلامية في إيران لم تعد في موقع الدفاع، بل انتقلت إلى موقع الردع، بل والقدرة على إعادة صياغة قواعد الاشتباك وإفشال مشاريع الاعداء التي تستهدف المنطقة .

 

خطأ الحسابات

يبدو أن أحد أبرز أخطاء التقدير الأمريكية و”الإسرائيلية” تمثّل في الاعتقاد بأن إيران تمرّ بأضعف مراحلها، خاصة بعد تداعيات معركة “طوفان الأقصى”، وتأثيراتها على حزب الله ، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى استهداف منشآتها النووية، ومحاولات تحريك الداخل الإيراني عبر أدوات استخباراتية وعناصر تخريبية لإثارة الفوضى ، واستثمار ذلك في محاولات إسقاط النظام الايراني .

تلك القراءة قادت إلى استنتاج مفاده أن “محور المقاومة” قد تآكل، وأن إسقاط النظام الإيراني بات مسألة وقت، وأن اللحظة مؤاتية لإزالة ما تعتبره واشنطن و”تل أبيب” العقبة الرئيسية أمام مشروع “ تغيير الشرق الأوسط” وإنشاء “إسرائيل الكبرى” ،غير أن مجريات الميدان أثبتت عكس ذلك تمامًا.

 

من الصمود إلى الردع

خلال العدوان الاخير على إيران والذي انطلق في 28 فبراير الماضي  لم يكن الرد الإيراني مجرد رد فعل تقليدي على الضربات، بل جاء ضمن استراتيجية طويلة الأمد، فبدلًا من الانهيار الذي راهن عليه خصومها، أظهرت طهران تماسكًا لافتًا، وقدرة كبيرة على الانتقال إلى الرد المباشر وبقوة فأجات المعتدين.

واللافت في هذه المرحلة هو كسر احتكار التصعيد، حيث لم تعد “إسرائيل” الطرف الوحيد القادر على تحديد توقيت ومسار المواجهة ،فالرد الإيراني المباشر، وعودة حلفائها إلى ساحة المواجهة، شكّل تحولًا نوعيًا، وغير المعادلة التي كانت تسعى “تل ابيب” ومعها واشنطن لتثبيتها في المنطقة والتي تقوم على أساس التفوق العسكري “الاسرائيلي”.

 

توسيع المواجهة ورفع الكلفة

ومع توسيع نطاق العمليات لتشمل المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، نجحت إيران في تحويل المواجهة إلى صراع إقليمي واسع، ما أدى إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى مستويات غير مسبوقة.

إضافة الى ذلك مثّل إغلاق مضيق هرمز نقطة تحوّل مفصلية، ليس فقط من حيث تأثيره على أسواق الطاقة العالمية، بل أيضًا لكونه عكس قدرة طهران على فرض معادلات جيوسياسية جديدة، في ظل عجز واشنطن عن كسر هذا الواقع بالقوة العسكرية أو حشد تحالف فعّال للتغلب على هذه المعضلة .

 

معادلة الطاقة وكسر الرهانات

وفي موازاة ذلك، فشلت رهانات استهداف منشآت الطاقة الإيرانية في إخضاع طهران، التي سارعت إلى فرض “خطوط حمراء” مقابلة، عبر توسيع بنك أهدافها ليشمل منشآت الطاقة المرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة ، حيث أسهم في ردع التصعيد، وفرض توازن ردع غير مسبوق، ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى “إعادة حساباتهما” بعد أن أصبحت كلفة المواجهة أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة.

 

تضييق الخيارات والبحث عن مخرج

مع تحوّل الحرب إلى استنزاف، بدأت الخيارات تضيق أمام الإدارة الأمريكية والقيادة “الإسرائيلية” وظهرت مؤشرات واضحة على انتقال الخطاب من الحسم العسكري إلى البحث عن تسويات ومخارج سياسية ، وهذا ظهر واضحا في خطابات ترمب الاخيرة .

في المقابل، رفعت طهران سقف شروطها، مؤكدة أنها لن توقف عملياتها دون ضمانات حقيقية تمنع تكرار الاعتداءات، وتعويض الأضرار التي لحقت بها، ما يعكس انتقالها من موقع الدفاع إلى فرض الشروط .

 

تحولات ما بعد الحرب

تشير المؤشرات إلى أن انتهاء هذه الحرب، بهذه الكيفية، سيُسجَّل كهزيمة استراتيجية لواشنطن و”تل أبيب” مع ما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة ، فالدول الخليجية التي راهنت على المظلة الأمريكية قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم خياراتها، و”إسرائيل” التي اعتمدت على التفوق العسكري المطلق باتت تواجه حدود هذا التفوق، فيما تدرك الولايات المتحدة أن معادلات الإقليم لم تعد تُحسم بالقوة وحدها.

 

نهاية المشروع وبداية واقع جديد

ربما يكون أبرز ما كشفته هذه الحرب هو سقوط مشروع “ تغيير الشرق الأوسط” بصيغته التي طُرحت سابقًا، مقابل تشكّل واقع إقليمي جديد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتراجع فيه الهيمنة الامريكية والتفوق “الاسرائيلي”، واقعٌ قد يشير، على المدى البعيد، إلى انكفاء الدور الأمريكي، وترك “إسرائيل” لتصارع على البقاء وحيدة ، صراع لن يكون أبداً في صالحها .

قد يعجبك ايضا