الخبر من مصدره لحظة حدوثه

لماذا كل هذا الاهتمام الإسرائيلي بدولة تشاد؟

 

 

تقرير تحليلي: وكالة الصحافة اليمنية//

“أزور تشاد اليوم للمرة الأولى، أنا هنا من أجل أن أعيد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، نحاول صياغة شراكة من أجل مستقبل مزدهر آمن لبلدينا، وبالمعنى الأكبر لإفريقيا وما بعدها”، يقولها نتنياهو مزهوًا قبل وصوله إلى تشاد للقاء الرئيس إدريس ديبي، واضعًا الزيارة في خانة التقارب مع دولة عملاقة الحجم تقع في قلب إفريقيا.

 

خطوات بدأها نتنياهو من سلطنة عُمان قبل أشهر قليلة، لكنها لم تفتح دهاليز السفارات المغلقة، إلا أنه من هذه العاصمة الإفريقية ينجح في اختراق قطيعة كانت قائمة منذ عام 1972، واستمرت لأكثر من 4 عقود، ويعلن عن عودة علاقات دبلوماسية ستمنحه “شرعية ” لفتح علاقات جديدة مع دول عربية أخرى.

نتنياهو في قلب إفريقيا

“هذا اختراق كبير نحو تشاد، وهي دولة كبيرة في إفريقيا، وعدتكم بأن ذلك سوف يحدث، ستكون هناك أخبار عظيمة أخرى قريبًا، أستطيع إخباركم عن أمرين: أولهما أن هذه الزيارة ستكون مزعجة جدًا ومثيرة لغضب إيران التي تحاول منع ذلك ولن تنجح، الأمر الثاني هو أنه سيكون هناك مزيد من الاختراقات”.

 

يقولها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صريحة قبل أن تطئ قدمه الطائرة التي تقلَّه إلى قلب إفريقيا، واصفًا بقوله هذا استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دولة الاحتلال وتشاد، الدولة الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة، التي تشكل فاتحة ثورة الاختراق التي يبشر بها نتنياهو الذي كسر الحلقة شرقًا واضعًا قدمه الأخرى في شرق إفريقيا.

 

عودة العلاقات المقطوعة منذ سبعينيات القرن الماضي هو أحد الأخبار السارة التي وعد بها نتنياهو قبيل الزيارة العلنية التي توَّج بها نتنياهو علاقات امتدت عشرات السنوات، كانت تقع في خانة السرية والاستخبارية، إلى أن جاءت مرحلة إظهارها إلى العلن، فنجحت بإقناع هذه الأنظمة بأن لديها مع تل أبيب أهداف مشتركة، وأن هذه الدول في حاجة إلى الكثير من المصالح التي بإمكان “إسرائيل” فقط تحقيقها.

 

كانت هذه الزيارة متوقعة منذ الكشف عن زيارة سرية لوفد إسرائيلي ضم مسؤولين كبار إلى تشاد، التقى خلالها مع مسؤولين بارزين في الحكومة ومع نجل الرئيس التشادي، ثم زادت التوقعات بعد دعوة الرئيس التشادي إدريس ديبي رئيس الوزراء نتنياهو لزياة بلاده، بعدما دخل، قبل نحو شهرين، إلى خشبة المسرح الإسرائيلي بشكل علني متفاخرًا بأن العلاقات بين بلاده وتل أبيب لم تنقطع فعليًا، وإنما استمرت من تحت الطاولة أو في غفلة من الجمهور.

 

وعلى الرغم من أن دولة الاحتلال، تمكنت من خلال سياسة المثابرة – منذ عودة نتنياهو للحكم عام 2009 – من اختراق القارة السمراء وصولاً إلى استعادة علاقاتها الدبلوماسية المعلنة مع عدد من الدول الإفريقية، فإن تشاد كانت مستهدفة كدولة، لسلخها عن دائرة الدول الإفريقية الممانعة لدولة الاحتلال، واستمالتها إلى المحور الإسرائيلي المتشكل في إفريقيا مسنودًا بزخم الدعم الأمريكي المطلق لحكومة الاحتلال.

 

ويبدو أن هذه هي الهدية التي يسعى بنيامين نتنياهو لتقديمها للرأي العام الإسرائيلي الذي شهد امتعاضًا من آلية إدارته للأمور تحديدًا في شقها العسكري بعدما حدث في قطاع غزة، تحديدًا بعد ما تعرضت له الوحدة الخاصة الإسرائيلية التي تسللت إلى القطاع، كما يبدو أن نتنياهو يحاول تلطيف الأجواء مع الرأي العام الإسرائيلي من خلال بوابة “التطبيع” التي يرى أنها في هذه الفترة أسهل وأكثر جدوى من أي وقت مضى.

 

كما يحاول نتنياهو إعادة صورته وهيبته السياسية ومن خلالها العسكرية، وكان قد وجد ضالته بداية في سلطنة عُمان، وامتدت هذه القضية إلى تشاد بعد زيارة إدريس إيبي إلى تل أبيب، وأكدت الرقابة الإسرائيلية رفع الحظر عن معلومات كان نتنياهو قد أوصى خلالها بتحسين العلاقات مع البحرين، والآن يمكن الحديث عن تحسين العلاقات مع البحرين، وربما تكون المحطة القادمة التي يزورها.

 

نتنياهو يأمل أيضًا أن تسهم الزيارة وما قد يعقبها مما وصفه بـ”اختراقات” في تعزيز فرص فوزه في الانتخابات المقررة في أبريل/نيسان المقبل، ففي الوقت الذي يدور فيه صراع حامي الوطيس بين الأقطاب اليمينية في “إسرائيل”، يحاول نتنياهو تحسين صورته عبر تعزيز العلاقات الخارجية لـ”إسرائيل”، وذلك حتى يحصل على نقاط لدى جمهور الناخبين يعزز فرص تحقيق رغبته في تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة من جهة، ولتعزيز العلاقات مع دول إفريقيا لما لها من أهمية بالنسبة لـ”إسرائيل” من جهة أخرى.

بوابة التطبيع إلى دول القارة السمراء

تسعى “إسرائيل” منذ عقود إلى تعزيز وجودها في القارة السمراء، التي لا تقيم معظم دولها علاقات دبلوماسية علنية مع تل أبيب، وفي طريقها لذلك تتبع بعض الأساليب التي يتمثل بعضها في تقديم الدعم والسلاح للدول الإفريقية التي تعاني من الإرهاب وحركات التمرد والانفصال، كما تعمل “إسرائيل” على الوصول إلى قلب القارة من خلال الدعم الفني والتقني، خاصة في مجال الزراعة.

 

وتعد تشاد دولة رئيسة في القارة السمراء، ليس كقوة سياسية أو عسكرية وإنما كدولة في حاجة لـ”إسرائيل” التي تنظر إلى تشاد على أنها غنيمة في طريق الرسالة التي حاول نتنياهو إيصالها بأن هناك عودة للعلاقات مع “إسرائيل” ودولة إفريقية رئيسة هي تشاد، إضافة إلى حاجة تشاد للخبرة والتكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات مختلفة منها الزراعة والصناعة والمياة والطب وما غير ذلك.

 

وكأن تشاد التي وطأت قدماه أرضها لم تعد كافية لرسم حدود التوغل الإسرائيلي في إفريقيا، بل جعل منها وسيطًا لفتح القنوات التطبيعية والسياسية والاقتصادية والأمنية أمام “إسرائيل” في إفريقيا، وأداته في ذلك الرئيس التشادي الذي قال في زيارته إلى “إسرائيل” إنه لن يدخر جهدًا لتطبيع العلاقات بين تل أبيب والخرطوم؛ ما يعني أن الحديث ليس عن تشاد فقط، إنما عن مصالح أخرى عديدة لـ”إسرائيل” في هذه المنطقة، فعينها على السودان وليبيا ومصر، ومن أجل ذلك بذلت الأجهزة الإسرائيلية جهودًا كبيرة طوال عقود من الزمن للوصول إلى هذه النتيجة المعلنة التي تجري الآن.

 

وفي مقال سابق لـ”نون بوست”، تزامن مع زيارة ديبي إلى “إسرائيل”، استعرضنا مدى استفادة “إسرائيل” من الناحية السياسية والاقتصادية، فبالإضافة إلى أهمية زيارة نتنياهو إلى الدولة المسلمة في توطيد العلاقات مع الدول المسلمة المجاورة، ودول وسط إفريقيا الأخرى مثل مالي والنيجر، فإن أهدافها الخفية تكمن في السماح برحلات جوية بين “إسرائيل” وأمريكا اللاتينية حول تلك الدول، في المرحلة الأولى عبر شركات طيران أجنبية.

 

ولتحقيق هذا الهدف، هناك ضرورة وحاجة ملحة لأن يسمح السودان لشركات الطيران الأجنبية بالمرور عبر المجال الجوي السوداني في طريقها إلى “إسرائيل” من أمريكا الجنوبية، وهو ما دفع “إسرائيل” إلى البحث عن سبل لتوطيد علاقتها مع السودان، وهناك مصالح مرتبطة تضرب من خلالها “إسرائيل” على وتر كل دولة تتجه إليها لفتح بوابة التطبيع معها: احتياجاتها والمواقف التي تتعرض لها.

 

ومن ناحية الجغرافية السياسية، ثمة أسباب أخرى دعت “إسرائيل” إلى تعزيز العلاقات مع تشاد أولاً، رغم كونها دولة إسلامية صغيرة، أهمها موقعها الجغرافي السياسي، بما يعطيها أهمية إستراتيجية، فهي دولة حدوها الشمالية ليبيا، وحدودها الغربية السودان، أي على مرمى حجر من مصر.

يُضاف إلى ذلك أنها دولة يمكنها التأثير المحتمل على الدول المجاورة مثل النيجر ومالي، وهما دولتان مهمتان تسكنهما أغلبية مسلمة، ومن أهم الدول الثرية بمعادنها التي تسعى إليها “إسرائيل”، وبالتالي، لم يكن جر تشاد إلى مسرح التطبيع عفويًا ولا من باب القبول بدولة تقبل بعلاقات رسمية مع “إسرائيل” فحسب.

الجانب المظلم في العلاقات مع تشاد

تبدو المصالح الإسرائيلية واضحة في تشاد، بدءًا من الطمع الإسرائيلي بالوصول إلى مناجم اليورانيوم لاستغلالها بالصناعة النووية، بما يضمن المدخول الاقتصادي والمالي الملازم في الوقت ذاته لتأثير سياسي كبير بفعل “ضمان استقرار أمن وحكم” الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي لم تتورع صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن وصفه في تقرير على موقعها بـ”الرئيس الطاغية الذي يمنع التظاهرات ويعتقل المعارضين”.

أما الهدف الدبلوماسي الذي تسعى إليه “إسرائيل” من وراء هذه العلاقات مع دول إفريقية ومنها تشاد هو كسب أصوات في مجلس الأمن وأروقة الأمم المتحدة في صراعها مع فلسطين، لكن قد يقول قائل إن “إسرائيل” – التي تدعمها أكبر قوة في العالم، وهي الولايات المتحدة التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن – ربما لا تحتاج إلى هذا الدعم الدبلوماسي من دولة مثل تشاد أو بعض الدول الإفريقية غير الفاعلة في هذه المؤسسات الدولية.

لكن “إسرائيل” تحتاج مثل هذه الأصوات في بعض المنظمات الدولية، حيث تحقق “إسرائيل” بعلاقاتها التطبيعية مع الدول الإفريقية أكثر من نتيجة، وما حدث في تشاد هو “اختراق تاريخي” كما وصفه نتنياهو، ويرجع ذلك إلى أن تشاد دولة ذات أغلبية مسلمة تسودها اللغة العربية في وسط وغرب إفريقيا، وهي بمثابة “أرض الطلاق” العربي الإفريقي.

يُضاف إلى ذلك أن استعادة العلاقات مع تشاد تهم تل أبيب كثيرًا لتأثيرها على دول إفريقية مجاورة وداخل الاتحاد الإفريقي، فتل أبيب تطمح لقبولها فيه كعضو مراقب، وذلك اختراق كبير، ولكن ربما لن يكون الأخير، اختراق يدعم على نحو أكبر دولة الاحتلال التي تسجل النقاط على حساب الفلسطينيين المنقسمين وقضيتهم.

الأهم من ذلك يصب في الناحية العسكرية والأمنية، حيث تشهد تشاد حركات تمرد واضطرابات عسكرية، وهي بحاجة إلى السلاح، كما تعاني الفقر، ويعتمد غالبية سكانها على الزراعة ورعي الأغنام، كل هذه القضايا تشير إلى أن “إسرائيل” ستجد ضالتها على أرض تشاد عن طريق تبادل الخبرات وتقديم المعونات التكنولوجية والزراعية وحتى تقديم السلاح، ففي وقت سابق قال مسؤولون تشاديون لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، إن “تل أبيب زودت الجيش التشادي، العام الماضي، بأسلحة لمحاربة المتمردين”.

في هذا الصدد، وبالتزامن مع وصول ديبي إلى تل أبيب، كان موقع “ديبكا” الإسرائيلي قد سلَّط الضوء على خفايا الزيارة، لافتًا إلى أثر منابع النفط الليبي، حيث يسعى الرئيس التشادي من خلال توثيق علاقات بلاده مع “إسرائيل” إلى مشاركة تل أبيب في الحرب ضد تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في أنحاء القارة الإفريقية وانضمامها إلى جهود الولايات المتحدة وفرنسا لذلك في هذه المنطقة.

ولفت الموقع المقرب من الدوائر الاستخباراتية أن الجيش التشادي الذي يبلغ عدد أفراده 250 ألف عسكري يقاتل على ثلاث جبهات قرب الجنوب الليبي، وخاصة في المنطقة الغنية بمنابع النفط حيث تمتد الأنابيب ناقلة إياه إلى موانئ التصدير على سواحل البحر المتوسط، علاوة على ذلك يشارك الجيش التشادي في نشاطات تحالف عسكري آخر مخصص لمكافحة التنظيمات الإرهابية يعرف بـ”قوات الساحل الخمس”.

جغرافية جديدة تُولد من رحم أزمات المنطقة

تتوغل “إسرائيل” داخل إفريقيا، فالزيارة هي الرابعة لنتنياهو لبلد إفريقي خلال عامين، في مساعٍ لمحو آثار القطيعة الدبلوماسية التي مارستها أغلب الدول العربية وأيضًا بعض الإفريقية، حيث تحافظ بعض البلدان على مسافة بينها وبين “إسرائيل” منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967.

وتسعى “إسرائيل” للاستثمار في مناطق جيدة في إفريقيا، وهو اختراق إسرائيلي متنامٍ وواضح في قلب القارة السمراء تكسب من خلاله “إسرائيل” المزيد من الحلفاء، الأمر الذي يعزز من قدرة دولة الاحتلال على الوجود في المحافل الدولية وفرض نفسها.

ويدور الحديث بشأن أنظمة ودول يُنظر إليها في العلن على أنها دول تمارس جرائم حرب وتقتل خارج نطاق المحاكمة ولديها تهديدات من تنظيمات موصوفة بأنها تنظيمات إرهابي، وهو النوع المفضل لـ”إسرائيل” التي تتمتع بآلة حرب وخبرة مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عندما قايضت ذلك النظام باليورانيوم مقابل تحسين صورة هذه الأنظمة في هوليوود والولايات المتحدة الأمريكية.

“إسرائيل” لديها إستراتيجية واضحة لتعزيز نفوذها داخل إفريقيا، مستفيدة من بعض الظروف المستجدة في القارة، وإن كان هناك مقاومة لهذه الإستراتيجية من بعض الجهات المعادية للعنصرية، إلا أن الكثير من الدول العربية الأخرى ترى أنها في حاجة إلى نتنياهو لتحسين صورتها في المجتمع الدولي، وأيضًا في مسألة القمع والتصدي لتنظيم الدولة “داعش”.

كما يأتي التوجه الإسرائيلي نحو القارة الإفريقية أيضًا ضمن تحركات من قوى ودول مختلفة نحو القارة منها إيران والصين وغيرهما، وهو ما دفع نتنياهو بالقول قبل مغادرته مطار تل أبيب إن هذه “الزيارة ستكون مزعجة جدًا ومثيرة لغضب إيران”، وذلك ردًا على محاولات إيران الحصول على موطئ قدم في هذه القارة.

وخلال السنوات الأخيرة تبذل “إسرائيل” الكثير من الدبلوماسية وأيضًا الدعم الاقتصادي من أجل نفوذها في القارة السمراء، وهو ما انعكس مؤخرًا على تراجع عدد من الدول الإفريقية المعارضة لبرنامج “إسرائيل” النووي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل ملحوظ عن موقفها بسبب مصالحها الاقتصادية.

وفي يوليو عام 2016، قام نتنياهو بجولة إفريقية شملت 4 دول في شرق إفريقيا، بدأها بأوغندا وتبعها متوجهًا إلى كينيا ثم روندا وإثيوبيا، حيث تعد هذه الزيارة هى الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلي منذ عام 1978، وقد تركزت المباحثات خلال هذه الزيارة على زيادة التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد.

……………………….

المصدر:noonpost