يمثّل الاجتماع الذي احتضنته الرياض تحت عنوان “شراكة الأمن البحري اليمني” حلقة جديدة في مسار متدرّج تقوده السعودية بدفع من الولايات المتحدة وبريطانيا، لمحاولة كسر معادلة الردع التي فرضتها العمليات اليمنية في البحر الأحمر خلال معركة إسناد غزة والتي منعت فيها صنعاء مرور السفن من وإلى “إسرائيل” وبشكل تام.
هذا المسار لم يبدأ اليوم وإنما بدأ في سبتمبر 2025 حين أطلقت الرياض ولندن ما سُمّي “شراكة دولية للأمن البحري” بمشاركة عدد من الدول، بذريعة دعم خفر السواحل اليمني وتعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
من المستفيد ؟
التدقيق في عمليات صنعاء البحرية يكشف أن السعودية لا تمتلك مصلحة حقيقية في تشكيل مثل هذه التحالفات، ولا تواجه تهديداً فعلياً لأمن الملاحة يبرر هذا الانخراط المتصاعد، فالبحر الأحمر، قبل وبعد معركة “طوفان الأقصى”، لم يشهد استهدافاً عشوائياً أو تهديداً عاماً للتجارة الدولية، بل كانت عمليات اليمن محددة وواضحة، واستهدفت حصراً السفن المرتبطة بـ “إسرائيل” في إطار معادلة إسناد غزة والضغط لوقف العدوان.
وعليه، فإن المستفيد الفعلي من هذه “الشراكات” والتحركات ليس السعودية ولا دول الإقليم، بل “إسرائيل” أولاً وأخيراً ، فإعادة تدوير عناوين “حماية الملاحة” ليست سوى غطاء سياسي وأمني للالتفاف على التحول الاستراتيجي الذي فرضته صنعاء في البحر الأحمر، وعلى قوة الردع التي نجحت في فرض قواعد اشتباك جديدة خلال معركة طوفان الأقصى، جعلت من أمن الكيان الإسرائيلي البحري مسألة غير مضمونة.
الاجتماعات بين المسؤولين البريطانيين والسعوديين والتي تتزامن مع لقاءات عقدها صغير بن عزيز رئيس ما تسمى هيئة الأركان في الحكومة الموالية للتحالف مع سفيري واشنطن ولندن، والتي ركّزت على ما تم تسميته “الأمن البحري اليمني تؤكد أن الأمريكيين والبريطانيين يعملون على توريط السعودية تدريجياً في هذه التحالفات، تمهيداً لدفعها – بشكل مباشر أو عبر دعم الأدوات المحلية – إلى مواجهة مستقبلية مع صنعاء، بعد أن فشلوا في كسر معادلة الردع التي فرضتها العمليات اليمنية.
وتزداد دلالات هذه التحركات مع تزامنها مع قرارات مجلس الأمن بإنهاء مهمة بعثة “أونمها” في اليمن، وهي القرارات التي جاءت بناءً على طلب أمريكي، فإضعاف أو إنهاء الأطر الدولية الرقابية لا يُقرأ إلا كخطوة استباقية لتهيئة مسرح البحر الأحمر وخليج عدن لمرحلة أكثر توتراً، تُدار فيها الصراعات بأدوات عسكرية وأمنية بعيداً عن أي التزامات دولية.
خلاصة المشهد، أن ما يجري في الرياض ليس سعياً لحماية الملاحة، بل جزء من ترتيبات أوسع تهدف إلى حماية “إسرائيل” ومحاولة كسر معادلة الردع التي أرستها صنعاء، وجرّ السعودية إلى مربع الصدام مجدداً مع صنعاء تحت عنوان ” حماية الملاحة البحرية ” بعد فشل الولايات المتحدة ومعها بريطانيا و”إسرائيل” ومن تحالف معهما في إخضاع صنعاء خلال المعركة البحرية الأخيرة.